بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
مرام كغيرها سمعت بموضوع الإعفاءات الجمركية. وفرحت كثيرا بالخبر لأنها أخيراً ستتمكن من شراء سيارة خاصة بها تخلصها من مشكلة التنقل التي لطالما عانت منها، وحدت من حريتها. فهي ترغب بالمشاركة بالنشاطات التوعوية المتعلقة بذوي الإعاقة، وتحديدا الحركية والبصرية منها كونها تفتقد لهاتين الحاستين المهمتين منذ الولادة.
تقول بمرارة “بعد أن قدمت الطلب لإحدى مديريات التنمية التابعة لمنطقتي بأربعة أشهر تقريبا تلقيت اتصالا من الجهة المسؤولة تخبرني بأنه سيتم عرضي على لجنة طبية متخصصة تحدد ما إذا كنت أستحق الحصول على الإعفاء أم لا، وكنت مؤمنة بأن لي حقا لا بد أن أحصل عليه حتى وإن حالت المعوقات بيني وبينه، وتسببت في تأخيره قليلا”.
أسئلة كثيرة ومهمة كانت تدور في رأسها وهي في طريقها للمقابلة لم تراودها من قبل أو بالأحرى لم تسمح لها بأن تخطر على بالها لأسباب شخصية تتعلق بطريقة تفكيرها العفوية، لكنها شعرت بتلك النظرات المستترة المتباينة بين التجاهل والشفقة من قبل العاملين هناك.
كل ما كانت تحاول فعله في تلك اللحظات بالذات هو الإجابة على كل الأسئلة بإيجابية مطلقة، الهدف منها الإبقاء على الأمل الذي تحمله في داخلها. وعدم تشويهه بقسوة الواقع وحقائقه الصادمة التي تؤثر فعليا على علاقة ذوي الإعاقة بمجتمعهم، وبكيفية التعامل معهم بعيدا عن الحساسية المبالغة فيها التي غالبا ما تتعبهم وتقيد رغبتهم في التعبير عن أنفسهم.
تكمل مرام قصتها قائلة: عندما وصلت برفقة والدتي إلى المكان المخصص بإجراء المقابلات وبعد المعاناة الطويلة التي قضيتها في التنقل من حافلة إلى أخرى كان هناك في الانتظار عدد كبير من ذوي الإعاقة، جميعهم حضروا للاستفادة من قرار الإعفاء باعتباره قرارا مهما من شأنه أن يشعرهم بأنهم أحرار قادرون على التنقل بسهولة. وبدون أي قيود.
لكن كل ما تذكره في ذلك اليوم أنها لم تنتظر طويلا حتى نودي على اسمها لمقابلة اللجنة الطبية المتخصصة بتقييم وضعها، لمنحها تقريرا يضمن لها حقها، ويجعل من حلمها واقعا ملموسا يؤمن بالتغيير وبمحاربة كل الذين يحاولون النيل من كرامة ذوي الإعاقة.
شعرت مرام بالصدمة بداية من ذلك الطبيب الذي أجرى معها المقابلة المفتقر للأسف للباقة والوعي الحقيقي الذي من شأنه أن يجعله أكثر حذراً وتيقظاً في تعامله مع الأشخاص ذوي الإعاقة. هي لم تتوقع أن تكون المعاملة استثنائية أو مبنية على الشفقة والتأثر السلبي المثبط للعزيمة، بل المقصود فقط هو أن تشعر بالاحترام، وبأن لها مكانا في هذه الحياة، لكن ما وجدته تجاهلا موجعا ومهينا تعمّد الطبيب أن يستخدمه معها، كأنه لا يراها.
تقول مرام، “كان يوجه كل الأسئلة لوالدتي ويستفسر منها عن أدق التفاصيل المتعلقة بإعاقتها. معتقدا أنه بأسلوبه المستفز هذا سيحررها من مرارة الإعاقة”.
وتضيف “لا يعرف هذا الشخص أن القوة التي أتمتع بها اليوم نابعة من إعاقتي ومن الإيمان بقدراتي من خلال إعطاء صورة حقيقية واضحة المعالم قادرة على إنصاف ذوي الإعاقة. وإزالة الغموض عن ذلك العالم الذي اختار الكثيرون أن يسجنوا أنفسهم فيه دون أن يفكروا ولو قليلا بخطورة ذلك القرار، وبكل السلبيات التي ستحرمهم حتما من أن يكونوا متواجدين دائما داخل الحياة”!
وتلفت إلى أن تلك الحياة تطالبهم بأن يكونوا أقوياء، متشبثين بحقوقهم، وراغبين فعليا في تغيير كل التصورات الخاطئة عنهم سواء كانت ناتجة عن تصرفات البعض غير المسؤولة من ذوي الإعاقة أم أنها تكونت بسبب الجهل وعدم تقبلهم كأعضاء منتجين لهم تأثيرهم في المجتمع.
وما يزال ذوو الإعاقة حتى اليوم يعانون من سياسة التهميش التي تعطي للبعض الحق في تجريحهم وإهانتهم. والتسبب فعليا في إحباطهم من خلال إشعارهم الدائم بالعجز والاحتياج التام للآخر. الأمر الذي يخلق بينهم وبين مجتمعهم حواجز من الصعب أن يتخطوها. ويتحرروا من تبعات ذلك الجهل الذي يسيطر على عقول أشخاص ينظرون إلى الإعاقة نظرة سطحية قاصرة. تفتقر للوعي الذي من شأنه أن يسهم في تغيير واقع ذوي الإعاقة والسماح لهم بتأدية دورهم على أكمل وجه.
وهنا تأتي أهمية تربية الأهل للأبناء منذ الصغر على احترام كافة فئات المجتمع وطبقاته، ومن ضمن هذه الفئات فئة ذوي الإعاقة، وفق الاستشاري التربوي الأسري د. أحمد سريوي الذي يذهب الى أن الدور الأكبر في تثقيف المجتمع يعود للأسرة وبخاصة إذا عرفت كيف تغرس في أبنائها نقطة جوهرية وهي أن الله حينما يحرم شخصا من نعمة ما فإنه في الباطن يعوضه بنعمة أكبر منها.
ويعطي مثالا على الأشخاص الذين يعانون من التوحد أن كيف لهم قدرات عجيبة لا يمتلكها الإنسان العادي، كذلك أصحاب الإعاقات الأخرى، يبدعون دائما بعدة مجالات. ويبين أن بمثل هذه الأمثلة وغيرها “نستطيع أن نرتقي بمجتمع يحترم بعضه البعض ولا ينظر لمثل هذه الفئات بالدونية”، مؤكدا أن على الأهل أيضا أن يكونوا قدوة حسنة لأبنائهم في تعاملهم مع ذوي الإعاقة وانتقاء الألفاظ التي يستخدمونها في الحديث عنهم ومعهم.
حنان أيضاً طالبة جامعية كفيفة عانت كثيرا من قلة وعي اللجان الطبية. وتصرفاتهم غير اللائقة. تلك التي تنتقص من قيمة ذوي الإعاقة. وتهمش تجاربهم. بدون أدنى شعور بالذنب.
تقول حنان انها تقدمت كغيرها بطلب لإحدى مديريات التنمية الاجتماعية للحصول على الإعفاء الجمركي، لم تكن هناك أي تعقيدات تذكر، بل على العكس تماما كانت الإجراءات سهلة ميسرة. حتى جاء ذلك اليوم الذي دعيت فيه للمقابلة من أجل تشخيص وضعها، وإرفاق معاملتها بتقرير يشرح بالتفصيل نسبة العجز لديها.
ذهبت حنان برفقة أختها للمكان المخصص بعقد تلك المقابلات، وهناك كان في انتظارها طبيبان من المفروض أن يكونا على درجة عالية من الوعي والثقافة، لكن صدمتها كانت كبيرة عندما حاول أحد الطبيبين التشكيك بإعاقتها. والسبب يعود إلى شكل عينيها الطبيعي الذي لم يتأثر أبدا بالإعاقة.
كانت لحظة مؤلمة ومحبطة بالنسبة لها لكن رغم ذلك قررت أن تتجاوزها. وطلبت منه أن يقوم بإخضاعها للفحص الكامل. وعدم الاكتفاء بالنظر إلي من بعيد. الأمر الذي جعله يرتبك أمام تلك القوة العارمة التي اجتاحتها من أجل السيطرة على الموقف، ووضع حد لكل من تسول له نفسه بالتمادي عليها. وإبعادها قصرا عن تلك الحياة الاجتماعية المشتركة.
وعن كيفية تأقلم ذوي الإعاقة مع مجتمعهم يقول الاختصاصي الاجتماعي د.حسين الخزاعي: “إن هذه وللأسف الشديد من احدى النظرات السلبية التي يواجهها ذوو الاحتياجات الخاصة من أبناء المجتمع، خاصة في عدم أخذ رأيهم في المشورة وإبداء الرأي والاستفادة من آرائهم.
والسبب الرئيسي هو التنشئة الاجتماعية منذ الصغر بان هؤلاء الأشخاص بحاجة إلى إعالة وليسوا معيلين، ويعتقدوا أن الاعاقة مهما كانت فهي تؤثر على الجوانب الاخرى وهو أمر خاطئ جداً الحكم المسبق.
ويشير الخزاعي إلى أنه يجب على الأسر من الصغر الاعتراف بهم وإعطائهم مكانتهم الطبيعية والأخذ بمشورتهم وبرأيهم وتعويدهم على أن الإعاقة شيء طبيعي ولا تلغي أي قدرات أخرى، ودمجهم بالمجتمع وإعطائهم مكانتهم أمام الآخرين .
ويرى أن باقي الأسر عليها أن تغرس في أبنائها حب أصحاب الإعاقة والتعاون والتعامل معهم بشكل طبيعي جداً، ولا يتجنبوهم أو ينظروا لهم نظرة شفقة.
ويعتبر أن الخطأ في المجتمعات العربية أن نظرتهم للشخص تكون من باب الشفقة وليس القدرات، مبينا أن الاعتراف بقدراتهم معناه النجاح في دمجهم في المجتمع بشكل فعال”.
وفي ذلك يرى الاختصاصي النفسي الدكتور محمد الدباس أن الأشخاص أصحاب الإعاقة هم أشخاص طبيعيون لديهم نفس الحقوق في المجتمع، ويجب غرس الثقة في نفس الطفل صاحب الإعاقة منذ الصغر من خلال عدم انتقاده أمام الناس وإعطائه فرصته كاملة مثله مثل بقية أقرانه، إلى جانب أنه لا بد أن يكون لدى الأهل وعي كاف ويتقبلوا الأمور.
ويشير إلى أن الشخص صاحب الإعاقة يجب التعامل معه بدعم دائم ويشجعه ويحفزه على حسب درجة إعاقته ونوعها، مشيرا إلى أن صاحب الإعاقة في فترة المراهقة يكون عنده حالة من عدم الثقة بالنفس لذلك قد يعاني بعضهم من حالة اكتئاب وقلق وصعوبات في التأقلم؛ لذلك لا بد من توفير العيش الكريم لهم ودعمهم وخرطهم في المجتمع وتوفير كافة حقوقهم وتعليمهم حرفة يعتمدون عليها.
ويعتبر أن المجتمع لا يملك الوعي الكافي عن الأشخاص الذين لديهم إعاقة جسدية فيشعر الشخص بشعور الرفض ويشعر بالاكتئاب بسبب انعدام الثقافة عند المجتمع، لذلك فهو دور منصب على الجميع من الوعي والتثقيف. ويرى أن صاحب الإعاقة قد يكون شخصا مثالا للإبداع والنجاح ويحقق ما لا يستطيع شخص سليم تحقيقه.
-(1).gif)
" />
.gif)


